الجمعة، 7 يناير، 2011

كن عالماً أو متعلماً

فضيلة العلم ، وأدلتها من القرآن الكريم ، والسنة النبوية ، والأثر :
قال تعالى ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط ) " سورة آل عمران آية 18 " ، فانظر كيف بدأ سبحانه وتعالى بنفسه  ، وثنى بالملائكة ، وثَلثَ بأهل العلم ، ناهيك بهذا شرفاً وفضلاً ، وجلاءً ونُبْلاً ،، وانظر أيضاً وتأمل ، قول الله تعالى ( يَرفعِ اللهُ الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) " سورة المجادلة آية 11 " ، قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما " للعلماء درجاتٌ فوق المؤمنين ، بسبعمائة درجة ، مابين الدرجتين ، مسيرة خمسمائة عامٍ " ،، وقال عز وجل ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب ) " سورة الزمر آية 9 " ، وقال تعالى ( إنما يخشى اللهَ مـن عـبـاده العلماء ) " سورة فاطر آية 28 " ، وقال جل شأنه ( قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومـن عنده عـلـم الكتاب ) " سورة الرعد آية 43 " ، وقال سبحانه ( قال الذي عنده علمٌ من الكتاب أنا آتيك به ) " سورة النمل آية 40 " تنبيهاً على أنه اقتدر بقوة العلم ، وقال عز وجل ( وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ) " سورة القصص آية 80 " ، فالآية هذه دليلٌ على أن عظم قدر الآخرة ، يعلم بالعلم ، وقال تعالى ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) " سورة العنكبوت آية 43 " ، وقال سبحانه ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لَعَلِمَهُ الذين يستنبطونه منهم ) " سورة النساء آية 83 " ، ففي هذه الآية ، رد حكمه في الوقائع ، إلى استنباطهم ، وألحق رتبتهم برتبة الأنبياء ، في كشف حكم الله ، وقيل في قوله تعالى ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سواءتكم ) " سورة الأعراف آية 26 " ، يعني العلم ، " وريشاً " يعني اليقين ، " ولباس التقوى " يعني الحياء‏ ، وقال تعالى ( ولقد جئناهم بكتابٍ فصلناهُ على علمٍ ) " سورة الأعراف آية 52 " ، وقال سبحانه وتعالى ( فلنقصن عليهم بعلمٍ ) " سورة الأعراف آية 7 " ، وقال عز وجل ( بل هو آياتٌ بيناتٌ في صدور الذين أوتوا العلم ) " سورة العنكبوت آية 49 " ،وقال تعالى ( خلق الإنسان * علمه البيان ) " سورة الرحمن آية 3 ـ 4 " ، وغير ذلك من الأدلة القرآنية التي لاتعد ولا تحصى .

وأما من السنة النبوية الشريفة المطهرة : فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من يرد الله به خيراً يُفقههُ في الدين ، ويلهمه رشده ) ، وقال عليه الصلاة والسلام ( العلماء ورثة الأنبياء ) ، ومعلومٌ بأنه لارتبة فوق النبوة ، ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة ،،
وقال صلى الله عليه وسلم ( يستغفر للعالم ، مافي السموات والأرض ) وأي منصبٍ يزيد على منصب من تشتغل ملائكة السموات والأرض بالاستغفار له ، وقال عليه الصلاة والسلام ( إن الحكمة تزيد الشريف شرفاً ، وترفع المملوك ، حتى يدرك مدارك الملوك ) ، وقد نبه بهذا على ثمراته في الدنيا ، ومعلومٌ بأن الآخرة خيرٌ وأبقى ،، وقال صلى الله عليه وسلم ( خصلتان لايكونان في منافقٍ : حُسنُ سَمتٍ ، وفِقْهٍ في الدين ) ، ولا تشك في الحديث ، لنفاق بعض فقهاء الزمان ، فإنه ماأراد به الفقه الذي ظننته ، ويأتي معنى الفقه ، فأدنى درجات الفقيه : أن يعلم بأن الآخرة خيرٌ من الدنيا ، وهذه المعرفة ، إذا صدقت وغلبت عليه ، نجا بها من النفاق والرياء ،، وقال عليه الصلاة والسلام ( أفضل الناس : المؤمن العالم ، الذي إنِ احتيج إليه نفع ، وإن استغني عنه ، أغنى نفسه ) ، وقال صلى الله عليه وسلم ( الإيمان عُريانٌ ، ولباسه التقوى ، وزينته الحياء ، وثمرته العلم ) ، وقال عليه الصلاة والسلام ( أقرب الناس من درجة النبوة : أهل العلم ، والجهاد ، أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل ، وأما أهـل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ماجاءت به الـرسـل ) ، وقال صلى الله عليه وسلم ( لَموتُ قبيلةٍ ، أَيْسَرُ من مَوتِ عَالِمٍ ) ، وقال عليه الصلاة والسلام ( الناس معادنٌ ، كمعادن الذهب والفضة ، فخيارهم في الجاهلية ، خيارهم في الإسلام ، إذا فَقِهُوا ) ، وقال صلى الله عليه وسلم ( يوزن يوم القيامة ، مِدَادُ العلماء ، بـدم الشهداء ) ، وقال عليه الصلاة والسلام ( من تفقه في دين الله عز وجل ، كفاه الله تعالى ، ما أهمه ، ورزقه من حيث لايحتسب ) ، وقال صلى الله عليه وسلم ( أوحى الله عز وجل إلى إبراهيم عليه السلام ‏:‏ ياإبراهيم إني عليمٌ، أحب كل عليمٍ ) ، وقال عليه الصلاة والسلام ( العالم أمينُ الله سبحانه في الأرض ) ، وقال صلى الله عليه وسلم ( صنفان من أمتي ، إذا صلحوا صلح الناس ، وإذا فسدوا فسد الناس ‏: الأمراء ، والفقهاء ) ، وقال عليه الصلاة والسلام ( إذا أتى علي يـومٌ ، لـم أزددْ فيه علماً ، يقربني إلى الله عز وجل ، فلا بورك لي في طلوع شمسِ ذلك اليوم ) ، وقال صلى الله عليه وسلم في تفضيل العلم على العبادة والشهادة ( فضل العالم على العابد ، كفضلي على أدنى رجلٍ من أصحابي ) ، فانظر كيف جعل العلم مقارناً لدرجة النبوة ، وكيف حط رتبة العمل المجرد عن العلم، وإن كان العابد لا يخلو عن علم بالعبادة، التي يواظب عليها، ولولاه لم تكن عبادة، وقال عليه الصلاة والسلام ( فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر ، على سائر الكواكب ) ، وقال صلى الله عليه وسلم ( يشفع يوم القيامة ثلاثة ‏:‏ الأنبياء ، ثم العلماء ، ثم الشهداء ) ، وقال عليه الصلاة والسلام ( ما عُبِدَ الله تعالى بشيءٍ ، أفضل من فقهٍ في الدين ، ولفقيهٍ واحدٍ ، أشد على الشيطان من ألف عابدٍ ، ولكل شيءٍ عماد، وعماد هذا الدين الفقه ) ،
وقال صلى الله عليه وسلم ( خير دينكم أيسره ، وخير العبادة الفقه ) ، وقال عليه الصلاة والسلام ( فضل المؤمن العالم ، على المؤمن العابد ، بسبعين درجةً ) ، وقال صلى الله عليه وسلم ( إنكم أصبحتم في زمنٍ ، كثيرٌ فقهاؤه ، قليلٌ قراؤه وخطباؤه ، قليلٌ سائلوه ، كثيرٌ معطوه ، العمل فيه خيرٌ من العلم ، وسيأتي على الناس زمانٌ ، قليلٌ فقهاؤه ، كثيرٌ خطباؤه ، قليلٌ معطوه ، كثيرٌ سائلوه ، والعلم فيه خير من العمل ) ، وقال عليه الصلاة والسلام ( بين العالم والعابد ، مائة درجةٍ ، بين كل درجتين ، حضر الجواد المضمر ، سبعين سنةً ) ، وقال صلى الله عليه وسلم ( إن قليل العمل ، ينفع مع العلم بالله ، وإن كثير العمل ، لا ينفع مع الجهل بالله ) ، وقال عليه الصلاة والسلام ( يبعث الله سبحانه ، العباد يوم القيامة ، ثم يبعث العلماء ، ثم يقول ‏:‏ يا معشر العلماء إني لم أضع علمي فيكم ، إلا لعلمي بكم ، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم ، اذهبوا فقد غفرت لكم ) ، وغير ذلك من الأدلة ، نسأل الله حُسْنَ الخاتمة .
وأما من الآثار : قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل " يا كميل : العلم خيرٌ من المال ، العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والعلم حاكمٌ ، والمال محكومٌ عليه ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو بالإنفاق " ،، وقال أيضاً رضي الله عنه " العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد ، وإذا مـات العالم ثلم في الإسـلام ثلمةً ، لايسدها إلا خـلـفٌ منه " ،، وقال أبو الأسود " ليس شيءٌ أعز من العلم ، الملوك حُكامٌ على الناس، والعلماء حُكامٌ على الملوك،، وقال ابن عباس رضي الله عنهما‏ " خُيرَ سليمان بن داود عليهما السلام ، بين العلم والمال والمُلك ، فاختار العلم ، فأعطي المال والمُلكَ معه ،، وسئل ابن المبارك ‏" من الناس ؟ فقال ‏: العلماء ، قيل ‏:‏ فمن الملوك ؟ قال ‏:‏ الزهاد ، قيل ‏:‏ فمن السفلة ؟ قال ‏:‏ الذين يأكلون الدنيا بالدين ، ولم يجعل غير العالم من الناس ، لأن الخاصية التي يتميز بها الناس عن سائر البهائم هو العلم ، فالإنسان إنسانٌ بما هو شريفٌ لأجله ، وليس ذلك بقوة شخصه ، فالجمل أقوى منه ولا بعظمه ، والفيل أعظم منه ، ولا بشجاعته ، فلسبع أشجع منه ولا بأكله ، فالثور أوسع بطناً منه ولا ليجامع ، فإن أخس العصافير أقـوى على السفاد منه ، بل لم يخلق إلا للعلم " ،، وقال بعض العلماء " ليت شعري ، أي شيءٍ أدرك من فاته العلم ؟ وأي شيءٍ فاته من أدرك العلم ؟ ، وقال فتح الموصلي رحمه الله‏ " أليس المريض إذا مُنِعَ الطعام والشراب والدواء يموت ؟ قالوا ‏: بلى قال‏ :‏ كذلك القلب ، إذا منع عنه الحكمة والعلم ، ثلاثة أيامٍ يموت " ، ولقد صدق ! فغذاء القلب : العلم والحكمة ، وبهما حياته ، كما أن غذاء الجسم : الطعام ، ومن فقد العلم فقلبه مريضٌ ، وموته لازمٌ ، ولكنه لايشعر به ، إذْ حُبه للدنيا ، وشغله بها ، أَبْطَلَ إحساسهُ ، كما أن غلبة الخوف ، قد تبطل أَلَمَ الجراح في الحال ، وإن كان واقعاً ، فـإذا حـط
الموت عنه أعباء الدنيا ، أحس بهلاكه ، وتحسر تحسراً عظيماً ، ثم لاينفعه ، وذلك كإحساس الآمن خوفه ، والمفيق من سكره بما أصابه من الجراحات في حالة السكر أو الخوف ، فنعوذ بالله من يوم كشف الغطاء ، فالناس نيامٌ ، إذا ماتوا انتبهوا ،، وقال الحسن رحمه الله‏ " يوزن مداد العلماء ، بدم الشهداء ، فيرجح مِدادُ العلماء بدم الشهداء " ،، وقال ابن مسعود رضي الله عنه " عليكم بالعلم ، قبل أن يُرفَع ، وَرفْعُهُ موت رواته ، فوالذي نفسي بيده : ليودن رجالٌ قُتِلُوا في سبيل الله شهداء ، أن يبعثهم الله علماء ، لما يرون من كرامتهم ، فإن أحداًً لم يولد عالماً ، وإنما العلم بالتعلم " ،، وقال ابن عباس رضي الله عنها " تذاكر العلم بعض ليلة ، أحب إلي من إحيائها "،، وقال الحسن في قوله تعالى " ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً : ‏"‏ إن الحسنة في الدنيا ، هي العلم والعبادة ، وفي الآخـرة هي الجنة " ،، وقال الشافعي رحمه الله " من شرف العلم: أن كل من نَسَبَ إليه، ولو في شيءٍ حقيرٍ فرح، ومن رفع عنه حزن " ،، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه " ياأيها الناس : عليكم بالعلم ، فإن لله سبحانه ، رِداءً يحبه ، فمن طلب بَاباً من العلم ، رداه الله عز وجل بردائه ، فإن أذنب ذنباً ، استعتبه ثلاث مراتٍ ، لئلا يسلبه رداءه ذلك ، وإن تطاول به ذلك الذنب حتى يموت " ،، وقال الأحنف رحمه الله‏ " كاد العلماء أن يكونوا أرباباً ، وكل عِزٍ لم يوطد ، بعلم فإلى ذل مصيره " ،، وقال سالم بن أبي الجعد " اشتراني مولايَ بثلثمائة درهمٍ ، وأعتقني ، فقلت : بأي شيءٍ أحترف ؟ فاحْتَرَفْتُ بالعلم ، فما تمت ليَ سنةٌ ، حتى أتاني أمير المدينة زائراً ، فلم آذن له " ،، وقال الزبير بن أبي بكر " كَتَبَ إلي أبي بالعراق قائلاً ‏:‏ عليك بالعلم ، فإنك إنِ افتقرتَ، كان لك مالاً ، وإن استغنيتَ، كان لك جمالاً‏ " ،، وحكى ذلك في وصايا لقمان لابنه قال " يابني جالس العلماء ، وزاحمهم بركبتيك ، فإن الله سبحانه ، يُحْيِيِ القلوبَ بنور الحكمة ، كما يُحْيِيِ الأرض بوابل السماء " ،، وقال بعض الحكماء " إذا مات العالم ، بكاه الحوت في الماء ، والطير في الهواء، ويفقد وجهه، ولا ينسى ذكره " ،، وقال الزهري رحمه الله " العلم ذِكرٌ ، ولا تحبه إلا ذكران الرجال " ، وغير ذلك من الأدلة الأثرية ‏.
وأخيراً ،،، اعلم أخي المسلم ، ياطالب العلم ، بأن المطلوب من هذا الباب : هو معرفة فضيلة العلم ، ونفائسه ، ومالم تفهم الفضيلة في نفسها ، ولم يتحقق المراد منها ، لم يمكن أن تعلم وجودها ، صفةً للعلم أو لغيره من الخصال ، فلقد ضل عن الطريق ، من طمع أن يعرف أن زيداً حكيمٌ أم لا ؟ وهو بعد لم يفهم معنى الحكمة وحقيقتها ،، والفضيلة مأخوذة من الفضل ، وهي الزيادة ، فإذا تشارك شيئان في أمرٍ ، واختص أحدهما بمزيدٍ ، يقال فضله ، وله الفضل عليه ، مهما كانت زيادته ، فيما هو كـمـال ذلك الشيء ، كما يقال ‏" الفرس أفضل من
الحمار " ، بمعنى : أنه يشاركه في قوة الحمل ، ويزيد عليه بقوة الكر والفر ، وشدة العَدْوِ ، وحسن الصورة ، فلو فرض حمار اختص بسلعةٍ زائدةٍ ، لم يقل إنه أفضل ، لأن تلك زيادة في الجسم ، ونقصانٌ في المعنى ، وليست من الكمال في شيءٍ ، والحيوان مطلوب لمعناه وصفاته، لا لجسمه ، فإذا فهمتَ هذا ، لم يَخْفَ عليك ، بأن العلم فضيلة ، إنْ أخذتهُ بالإضافة لسائر الأوصاف ، كما أن للفرس فضيلةٌ ، إن أخذته بالإضافة لسائر الحيوانات ، بل شدة العَدْوِ فضيلةٌ في الفرس ، وليست فضيلةً على الإطلاق ، والعلم فضيلةٌ في ذاته ، وعلى الإطلاق ، من غير إضافةٍ ، فإنه وصف كمال الله سبحانه ، وبه شرف الملائكة والأنبياء ، بل الكيس من الخيل خير من البليد ، فهي فضيلةٌ على الإطلاق ، من غير إضافةٍ .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق